|
جاسم الصحيح يجيب عن سؤال متعلق بالقصيدة التقليدية وشعر المناسبات
مصدر الخبر : اليوم السعودي
اضيف بتاريخ : Jul 29, 2010
اضيف بواسطة : المشرف العام
السؤال:
قصيدتك التي تأتي في باب شعر المناسبات كيف تنقذها من السقوط في التصنّع
والمباشرة.. كيف تتفادى من أن تصبح مؤقتة؛ ابنة اللحظة التي قيلت فيها ثم
تنتهي أو تذهب إلى الأرشيف.. ما وسيلتك لجعل هذه القصيدة حاضرة؛ ماكثة في
وجدان المتلقّي؛ أن ترتفع من المناسبة والحدثيّة إلى الإبداع. ما رهانُ
البقاء الذي تشتغل عليه مثل هذه القصيدة؟
الجواب:
القصيدة هي القصيدة سواءً كانت مكتوبةً في مناسبة حَدَثِيَّة مُعَيَّنة، أو
مكتوبة من وحي الخاطر دون تخطيط مسبق لها. القصيدة هي القصيدة، إذ يجب أن
تحفل بمؤهلات فنية مثل المجازات والصور التي تمنحها شهادة الشعرية، وهنا
يأتي التفاوت ما بين شاعر وشاعر في قدرته على صناعة هذه القصيدة، ولا معيار
يمكن أن يقاس به حجم التفاوت أهمُّ من معيار الموهبة التي بوسعها أن تسمو
بالنص (المناسباتي) من قاع النظم إلى قمة الشعر. والموهبة رغم أنها شرارة
إلهية تنقدح في نفس الشاعر منذ الصغر أو تُخلق معه، إلا أن حجمها قد ينمو
بالدُّربة، وآفاقها قد تتسع بإجادة الصنعة، لأن أهم ما يميز الموهبة هو
قدرة الشاعر على إقناع المتلقي أنه كتب قصيدته كاملة في لحظات الوجد عبر
تدفقِ اللاوعي دون أن يُصفيها في أفران التنقيح.
التنادي الاجتماعي والوطني
بالنسبة لي شخصيا، فإن تجربتي مع المناسبات تجربة قديمة، وقصائدي فيها تمتد
بطول تجربتي مع الشعر، لأنني أؤمن بفكرة التنادي الاجتماعي والوطني ما
أمكنني ذلك، وهذا الايمان يقتضي حضوري الشعري في كثير من المناسبات
الاجتماعية والوطنية. ولكنني دائما ما أفتح مساحة اجتهادي على أقصاها في
كتابة القصيدة من أجل أن أملأها بالشعر حسب استطاعتي، وقد أنجح في الوصول
إلى الهدف وقد لا أنجح، فالنجاح من عدمه رهينة لعدة عوامل فنية ونفسية.
أنا أرى أنَّ كل كتابة هي -في الأصل- من أجل الناس، فلا يمكن أن نكتب من
أجل الكتابة فقط، وعندما تكون هناك مناسبة ما فأنا أعلم أن الناس الذين
أكتب من أجلهم سوف يكونون على مسافة مقاعد معدودة مني، ولا بد أن أملأ هذه
المسافة بالشوق إلى الإصغاء والمتعة. هذا الامر يضعني أمام عدة تحديات تبدأ
من الجهل بمستوى الجمهور الثقافي وذائقته الفنية، ولا تنتهي عند مدى
استعدادي للتنازل عن المستوى الفني للقصيدة. بين فكي هذه الكماشة أبقى
حائرا طوال الكتابة، ولكن ما يعزز انحيازي إلى الرقي بالقصيدة إلى أعلى
مستوى ممكن هو ثقتي بأذواق الناس وقدرتهم على الوعي عكس ما يعتقده البعض من
أن الذوق الفني العام هو في حالة انهيار.
حالة شعرية خالصة
المناسبة بالنسبة لي أفق رحب أحلق فيه وأطلق أجنحتي عبر امتداداته، وربَّما
استطعت أن أُوسِّعه وأن أضيف إلى أبعاده أبعادا جديدة من إيحاءاته. وعندما
أُدعى إلى مناسبة ما وأكون مقتنعاً بالمشاركة فيها (القناعة عنصر من عناصر
صناعة القصيدة المناسباتية لا يمكن الاستغناء عنه)، يمتلئ بها وجداني
وأبدأ بالتعامل معها على أنها حالة شعرية خالصة، فتنساب بها أحاسيسي وتتدفق
في مجرى أحداثها وتشق ممرات خفية في أعماقها كي تستخرج ما يمكن استخراجه
من كنوز تلك الأعماق. إن شعوري بأنني أعيش حالة شعرية يجعلني مقيماً داخل
نصي طوال فترة كتابة النص.. فلا أفكر إلا في الشعر وكيفية الحفر في منجم
تلك الحالة للوصول إلى أبجدية الذهب الذي أبحث عنه. إضافةً إلى ذلك، لدي
إيمان كبير بأن الشعر عملية مقاومة للفناء، وكلما ازدادت جمالية الكتابة
ازدادت مقاومتها واقتربت من فوزها بتاج الخلود، وهذا الإيمان يجعلني أجتهد
أكثر في صناعة النص من إكسير الجمال، ولكن ليس على حساب المناسبة بالطبع
وإنما بالتعاون معها واستلهامها من جميع الجهات الممكنة.
من الضيق إلى الإنساني الرحب
هناك مناسبات عديدة تلتقي في جوهرها معي في هواجس شخصية وهموم ذاتية فأكتب
عنها وكأنني أعبر عن ذاتي الفردية وليس عن ذات جماعية. على سبيل المثال لا
الحصر، هناك قصيدتي في رثاء الشاعر الكبير (عبد الله الجشي) وهي قصيدة
تتناول الأفق الشعري لهذا الشاعر بقدر ما تتناول همومي الشعرية والإنسانية،
فالمناسبة هنا فتحت أمامي أفقا واسعا للخروج من مساحة الرثاء الضيقة إلى
مساحة الإنسانية الرحبة. كذلك قصيدتي في رثاء الشاعر الشيخ (عبد الحميد
الخطي) وهو عالم معروف وشاعر كبير.. هذه القصيدة تجاوزت حالة الرثاء
التقليدي الذي يمتاز بالتنويه بمآثر الفقيد المرثي إلى الحديث عن همومي
الغيبية وعلاقتي بالسماء، حيث إن هذا العالم يمثل طريقا يقودني إلى السماء.
في الختام، أعود وأؤكد على أن الكتابة الشعرية في المناسبات لا تتعارض مع
الإبداع ولا تصطدم بالرقي الفني، ولكن يجب على الشاعر أن يحسن كيف يتناول
المناسبة تناولاً شعرياً بعيدا عن الاستسلام لها والركون إلى ظواهرها وإنما
يجب أن يحرث أعماقها ويتعامل معها على أنها أرض بكر ذات خصوبة وافرة يمكن
لها عبر الحرث والاستصلاح أن تعطي ثمرا جنياً.
|
قم بتسجيل الدخول اولا للتمكن من التعليق على الخبر