|
الشاعر جلال الدين الرومي في مقام العربية
اضيف بتاريخ : Jul 29, 2010
الكاتب : المشرف العام
يشتهر جلال الدين الرومي (603 - 673هجرية) في الثقافة العالمية المعاصرة
بألقاب كثيرة أهمها شاعر المحبة، فلقد أصبح الرجل رمزا للإنسان العابر
للحدود والحواجز الزمنية والبشرية، وحين نقرأ ما كتبه عنه خريج جامعة
ميونيخ الألمانية الفيلسوف محمد إقبال: "حول الرومي طيني إلى جوهر، ومن
غباري شيد كونا آخر" نشعر بأننا أمام إنسان تجاوز المظاهر السطحية للوجود
مكرسا نفسه لتخليص جنسه من الشوائب والأغلال؛ لأنه عاش في قونية ودفن فيها
واعتبرته تركيا رمزا وطنيا، ولأن ميراثه الأدبي كان باللغة الفارسية أصرت
إيران على كونه شاعرا فارسيا، بينما دافع الأفغان عن جنسيته الأفغانية؛
لأنه ولد في بلخ، في حين احتضن العرب طريقة المولوية؛ لأنه عاش في دمشق
لفترة طويلة، بينما اعتبره الأوروبيون والأميركيون مِلْكا إنسانيا مشتركا.
إلا أن حياة جلال الدين الرومي وآثاره تؤكد سعة أفقه الروحي وابتعاده عن
الزوايا الضيقة التي اعتاد الناس في زمانه وفي كل الأزمنة تصنيف بعضهم
البعض داخلها عاش كل تلك المحطات والمقامات بروح الإنسان المحب العاشق، همه
الوحيد كمال الإنسان ونجاته.
وقد ترك تراثا إنسانيا عظيما باللغة الفارسية، إلى جانب صفحات عربية صدح بها هنا وهناك، فكيف يا ترى كان هذا العارف في مقامه العربي؟
كان طبيعيا أن تكون للرجل مآثر عربية، فقد عاش لفترة طويلة في الشام، وتخصص
في علوم الفقه والتصوف، ولأن اللغة العربية هي لغة الوحي فقد نظر إليها
جلال الدين الرومي نظرة العارف المتشوق للرحمة الإلهية، ويكفي أن نسمع
صيحته: "أمسيت تركيا وأصبحت عربيا" لنعرف مدى ارتباط اللغة العربية بمعراج
هذا العارف الروحي، فهل سبق مقامه العربي باقي مقاماته العرفانية؟ هل وجد
في العربية من الأسرار ما لم يجده في باقي اللغات التي كان يجيدها؟
أسئلة يصعب الفصل بخصوصها، لكنها تبقى إشارات دالة على علاقة جلال الدين
الرومي بالعربية كمجال روحي ومعنوي أكثر منها لغة وألفاظا، سيتبين جانب من
هذه العلاقة حين نقف مع هذا العارف الكبير في مواقف كانت له في مَقام
العربية.
تعتبر علاقة الرومي بشيخه شمس من المواضيع الأكثر جاذبية وعمقا في تاريخ
العرفان الإسلامي، عبر عنها الرجل بكلام عجيب ضمنه ديوانا سماه (ديوان شمس)
تحكي كتب الأخبار والسير أنه بعدما دبر مريدو جلال الدين الرومي لشيخه شمس
التبريزي المكائد واحدة تلو الأخرى، تعب هذا الأخير واختار مغادرة قونية
متوجها إلى دمشق، هذا الفراق ألهب أشواق جلال الدين الرومي إلى شيخه فأرسل
إليه رسالة منظومة تتألف من 13 بيتا، تسعة منها بالعربية، يرجو منه فيها
العودة إلى قونية، ننقل منها:
أيها النور الفؤاد تعال
غاية الجد والمراد تعال
أنت تدري حياتنا بيدي
لا تضيق على العباد تعال
أيها العشق أيها المعشوق
حل عن الصد والعناد تعال
يا سليمان، ذي الهداهد لك
فتفقد بالافتقاد تعال
أيها السابق الذي سبقت
منك مصدوقة الوداد تعال
فمن الهجر ضجت الأرواح
أنجز الوعد يا معاد تعالْ
استر العيب وابذل المعروف
هكذا عادة الجواد تعال
طفت فيك البلاد يا قمرا
بي محيطا وبالبلاد تعال
أنت كالشمس إذ دنت ونأت
يا قريبا على العباد تعالْ
وعندما اشتعلت أشواق شاعرنا اقتبس من الحلاج أبياتا عبر بها عن ألم الحنين إلى خالقه، فقال:
اقتلوني اقتلوني يا ثقاتي
إن في قتلي حياة في حياتي
يا منير الخد يا روح البقا
اجتذب روحي وجد لي باللقا
لي حبيب حبه يشوي الحشا
لو يشا يمشي على عيني مشى
أما عندما عجز عن الاصطبار، صاح جلال الدين الرومي في قصيدة على بحر الهزج السالم منشدا:
ألا يا ساقيا إني لظمآن ومشتاق
أدر كأسا ولا تنكر فإن القوم قد ذاقوا
إذا ما شئت إسراري أدر كأسا من النار
فأسكرني وسائلني إلى من أنت مشتاق؟
أضاء العشق مصباحا فصار الليل إصباحا
ومن أنواره انشقت على الأحجار أحداق
فداء العشق أدوائي ومر العشق حلوائي
وإني بين عشاق أسوق حيثما ساقوا
ولأن جلال الدين الرومي عارف شاعر قبل أن يكون شاعرا عارفا، فكثيرا ما
يغلبه الحال وتستجيب لغته لجذبة الروح، لذلك تسبق روحه لفظه، فيتقدم المعنى
اللفظ ويقوده في دروب العشق والشوق، يقول شاعر العرفان الكبير:
ياكالمينا يا حاكمينا
يا مالكينا لا تظلمونا
يا ذا الفضائل زهر الشمائل
سيف الدلائل لا تظلمونا
يا نعم الساقي حلو التلاقي
مر الفراق لا تظلمونا
في القلب بارق مثل الطوارق
بين المشارق لا تظلمونا
ومن أجمل ما نظمه جلال الدين الرومي باللغة العربية هذه الأبيات التي عبر
بها عن قضايا عرفانية مستخدما رموزا وإشارات مختلفة، يقول شاعرنا:
يا راهبا انظر إلى مصباح
متشعشعا واستغن عن إصباح
انظر إلى راح تناهى لطفه
وسبى النهى يا لطفها من راح
فالراح نسخ للعقول بنوره
كالشمس عزل للنجوم وماح
الجد يسجد راحنا متخاضعا
وأعوذ من راح يزيد مزاحي
أهل المزاح وأهل راح هالك
لا خير فيهم مسكرا أو صاح
العقل مساح الزمان وأهله
فتجانبوا من عاقل مساح
يتجاوز حضور اللغة العربية عند الشاعر العارف جلال الدين الرومي حدود
الاستخدام النفعي التواصلي إلى التعبير عن القرب الروحي والانجذاب إلى
الوحي، خاصة أن الكثير من تلك النصوص تعبر في أصلها عن أحوال وجذبات تبحث
لها عن مستقر في مَقام العربية.
بقلم : رشيد يلوح
|
قم بتسجيل الدخول اولا للتمكن من التعليق على المقال