طلب أبو نواس من أبي الشيص في مجلس الأدب أن ينشدهم العنادية التي
يستحسنها، فقال أبو الشيص: لا، فليست عندي عقد درر مفصل، ولكني أكابر
بغيرها من قولي، وأنشد:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا
ما من يهون عليك ممن أكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
إذ كان حظي منك حظي منهم
أجد الملامة في هواك لذيذة
حبا لذكرك فليلمني اللوم
فقال أبو نواس: أردت أن أصرفك عنها، فأبيت إلا أن نخلي سبيلها، قال: فكيف ترى هذا الطراز؟ قال: أراه نمطا حسنا، فكيف تركت قولك:
ختلته المنون بعد اختيال
بين صفين من قنا ونصال
في رداء من الصغير صقيل
وقميص من الحديد مذال
قال
رازين: فعاتبني ساعة لأسمعه فأبيت، وكنت أصغر القوم سنا، ودونهم في الشعر.
ثم أقبلنا على أبي نواس نقول له: هيا يا أبي علي قد انقدنا لك في الطاعة،
فقال: هو حقكم، ولم تدخلوا فى شيء إلا وأنا شريك لكم فيه، ثم أحتبى بمنديل
أبيض ـ أي فرش منديله على الأرض وجلس عليه ضاما فخذيه وساقيه إلى بطنه ـ
وأنشد قصيدته:
لاتبكي ليلى، ولا تطرب إلى هند
واشرب على الورد من حمراء كالورد
فلم نملك من الطرب أنفسنا، فقمنا فسجدنا له (!!) فقال: أعملتموها
أعجمية، لاوالله لا أكلمكم. ثم أطرق مليا ورفع رأسه وقال: أعلمتم أن رجلا
عتب على أخيه، فكتب الأخ المغضوب عليه: ياأخى.. إن أيام العمر قصيرة، أقصر
من أن تحتمل الهجر، ومن أقر بالذنب، وألزم نفسه العيب سهل بهما طريق الصفح
عما فرط منه، وأيام السرور....، والمقصر في تناول اللذة إذا أمكنت غير مصيب
في رأى وحزم، فأنت حري بالمبادرة في تحصيل اللذة قبل الفوات”.
وأشد
ما يلفت انتباهنا في هذا الجزء من المجلس قرب عهد الشعراء حينئذ بعصور
الوثنية، حتى يصل إعجابهم بشعر أبي نواس إلى درجة الإفراط فى التعبير
بالسجود له، وكيف أنه فطن إلى هذا الأمر، وأرجعه إلى التقاليد الوثنية
الأعجمية، مع أنه كان من أصل فارسي، وزاد في احتجاجه بأن أعلن مقاطعته لهم،
ولكنه لم يلبث أن أطرق مليا وأخذ يتأمل موقفه مع صحابه، ولم تكن دواعي
الانصراف عن المجون كلية قد اختمرت في نفسه، وكان لا يزال يرى أن العمر
قصير، وأن اقتناص اللذات فيه واجب، وكان هذا هو المذهب الذي سيعتنقه قرينه
في الأدب الفارسي عمر الخيام، والذى عبر بما ترجمه رامي في قوله:
واغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع الليالي الأمان
أما أبيات أبي نواس التي اختتم بها المجلس فستظل قلادة ثمينة في جيد الشعر المتوهج بالقوة والجمال.
بقلم : د. صلاح فضل
قم بتسجيل الدخول اولا للتمكن من التعليق على المقال