للشاعر الفلسطيني محمد لافي تجربة شعرية ممتدة منذ بداية السبعينات من
القرن العشرين، فقد أصدر مجموعته الأولى “مواويل على دروب الغربة” 1973،
وأتبعها بمجموعة “الانحدار من كهف الرقيم” 1975، مفتتحاً تجربة وصوتاً
شعرياً بنكهة خاصة تنطلق من عالم المخيم والفدائيين، ونكهة الهامش والرصيف
التي سوف تكرسها مجموعاته التالية بعد الهزيمة القاسية التي لحقت بمشروع
المقاومة الفلسطيني في 1982 تحديداً.
ومحمد لافي يستلهم عنوان
مجموعته الشعرية الجديدة “ويقول الرصيف” من ثقافة ترسخت عبر السنوات في
النظر إلى “الرصيف” بوصفه المكان الذي يضم الهامشيين من المثقفين المعارضين
للسلطات والأنظمة وحتى القيادات التي قادت “الثورة” في مراحلها المختلفة
التي انتهت إلى هزيمة تشكل بؤرة النقد، بل السخرية، تجاه هذه القيادات.
فالرصيف هنا صور من الهوامش التي تمثل شعوباً تتحمل هزائم أنظمتها، فالرصيف
كما يقول الشاعر:
أنا ترجمان الهزائم
أنّى اتجهتم على كافة الجبهات
واختصار المسافة بين الشرائح والطبقات
ويقول الرصيف ببحري تصب الخطى
من جميع الجهات القصية
وعليه أوقع: إني أنا الأمة العربية.
رصيف
محمد لافي هو صوت الشاعر الذي يقول الكثير مما يعيشه الشخص والجماعة،
مازجاً بين الخاص والعام، بين الشخصي والاجتماعي والسياسي، وهي التي تعبر
عن أزمة الإنسان العربي خصوصاً، لكنها تمتلك إمكانية التوجه بخطابها إلى
الإنسان بصورة عامة. هذا الخطاب الذي كرسته تجربة لافي على مدى يقارب
أربعين عاماً أو أكثر، رسم خلالها صورة الإنسان منفياً ومعزولاً وهامشياً،
رسم القمع والقهر السياسي والاجتماعي في صور تمتلك خصوصية التجربة التي
عاشها ويعيشها، ويرسل خطاباً بأبعاد متعددة، سياسية وطبقية، في مواجهة
الواقع والوقائع، بأسلوبه الذي يمزج السخرية والمرارة، مستخدماً الأمثال
الشعبية المعبرة عن هذه السخرية المريرة في رسم الشخصيات، كما في تصوير هذه
الشخصية:
رجل المهمات الصعيبة
في الزمان “الشين”
أنى يحط به الرحال
تجد مراسمه على الصفين
لكنه سيظل لغزا حيث لا تدري
إذا فتشت عن نسب له
“قرعة أبوه من وين”
فالمثل
الشعبي هنا يستخدم للسخرية من هذا الشخص الذي لا أحد يعرف أصله وفصله
“قرعة أبوه من وين”، ومع ذلك فهو يظهر زعيما وبمراسم “على الصفين” بحيث يظل
لغزا في هذا الزمن “الشين” (الشائن)، حيث تختلط القيم والمعايير، فنجد
تشوهات للأشخاص هي نتاج التشوهات الاجتماعية والسياسية، كما أنها سبب لمزيد
من هذه التشوهات.
ومن خلال تجربته مع التنظيمات والفصائل التي عاشها
في السبعينات والثمانينات، يلح الشاعر محمد لافي على قضية الملف الثوري
الفاسد هذا الفساد السياسي، حيث يستمر القائد قائداً على الرغم من تغير
الظروف والأحوال، فالأمر ليس متعلقاً بالأنظمة الحاكمة وحدها، بل تمتد إلى
التنظيمات:
سيكبر التنظيم
ويصغر التنظيم
وفي كلا الحالين يبقى قائدا
قائده العظيم
ويتناول
الشاعر قضية الزمن الذي نعيشه، الزمن الذي “يبيع ويشتري فينا/ وتكبر في
لياليه مراثينا”، وتصعد اللهجة هنا لتسمية هذا الزمن ووصفه بأنه زمن ملعون
ولذلك فهو زمن “يلعن أبوه قواد”. زمن يسميه الشاعر “زمن الحداد” ويكرر وصفه
بالزمن “القواد”، وهو ما يعني انتقاداً ورفضاً لكل ما يجري في هذا الزمن
كما هو مشروع لافي الشعري الذي يعتبر أن أمرين لم تطلهما سهام هذا الخريف
هما “الشعر والرصيف”.
وتتناول قصائد لافي عالم الماضي في مواجهة عالم
الحاضر الراهن، لتبين أن ذلك العالم الذي مضى مضت معه كل جمالياته وعناصر
الخير فيه، بما في ذلك البشر أنفسهم الذين يعبر عنهم هنا بعالم “الرجال”
وما كانوا عليه في الماضي، فهم بعد توصيفات كثيرة، رجال على حلم، والرجال
السرى، وشموس القرى، والذين يقيمون في لغة الاعتراض، والرجال السند “الذين
إذا انتدبوا للكريهة/ واحدهم ببلد”، ويمكن اختزالهم في هذه الجملة الشعرية
المختصرة:
الرجال السؤال الذي ظل
دون إجابة
هكذا يتركون قناديلهم
ودخان بيوتهمُ في الكتابة
وكما
يتناول محمد لافي البشر، فهو يتناول الحجر في الماضي، من خلال قصيدة
“البيوت” التي تتجسد هنا في صور متعددة تشير إلى زمن قضى، فهي: دخان
الطوابين سر القرى، وهي “ساحل الليل، جداتنا والحكايا التي لا تموت”، وهي
كما يتذكر الشاعر “أعالي السهر”، كما أنها “السطوح التي فوقها يستريح
القمر”، وهي أيضاً “الكلام المراهق بين حبيبين”، وهي باختصار تمثل الحنين
إلى كل ما مضى وانقضى، في مواجهة واقع راهن يفتقد الحلم والخيال ، وكأن
الشاعر يرثي ذلك “الزمن الجميل” رافضاً زمن الانهيارات هذا بصور عدة.
وتتعدد
أشكال الرفض وصوره في قصائد لافي، فنجد فيها ما هو مباشر وحاد مثل قوله
“لا علاقة لي بارتجال الطريق لـ”أوسلو”/ ولا ببناء الجدار”، كما نجد رمزية
بارزة في قوله “لا علاقة لي بمذابح “صِفِّين” راكضة بين دار ودار”، وتتكرر
هذه العبارة من كونه لا علاقة له بكل الانهيارات والخراب الحاصل، ليقول
“فأنا في ملاك المعسكر/ طول عمري عنصر/ محض عنصر/ لا علاقة لي باتخاذ
القرار”.
وفي مقابل هجاء المرحلة، يمتدح الشاعر الجنوب والجنوبيين في
قصيدة يعلن فيها “جنوبيون نحن حمامة الطوفان يطلقها الجنوب/ جنوبيون من
أسمائنا القتلى/ إلى أسمائنا الحبلى بأول راية في زرقة الطرقات يرفعها
الجنوب”، وتتصاعد نبرة المديح لهذا الجنوب بما يمثله فيقول الشاعر:
جنوبيون معنى
جنوبيون قافية ولحنا
جنوبيون نرفع لاءنا
في زحمة الزمن الأميركانيّ
بالعربي الفصيح
وعلى
مستوى آخر يتناول الشاعر حكايات سريعة في ومضات لبشر ممن يعيشون على
الرصيف/ الهامش، فنرى الولد “منتوف الريش”، ويحضر الإنسان من قصيدة المتنبي
“غريب الوجه واليد واللسان” وهو يقول “أدور مذبوحا بصمتي/.. أحمل لعنة
التفاحة الأولى على كتفي”، وتتصاعد نبرة الصوت القروي مع صورة الوالد يخرج
مع أذان الفجر مستفتحا “يا فتاح يا عليم”، وهي النبرة التي يلح عليها
الشاعر مؤكدا هويته القروية بعناصرها الحميمة التي تنفتح “على الحقول إذ
تفيق من سباتها الحياة”.
ويتنقل الشاعر بين الماضي والحاضر، مستحضراً
علاقات ووجوهاً وبشراً يمرون ما بين الزمنين، فنجد الفتاة “الجامحة
المهرة/ أم الغرة/ قنديل التنظيم ورايته/ في الأيام المرة”، كما يفتح لنا
الشاعر “شرفة على ليالي الوحيد” نطل من خلالها على أيامه وذكرياته وأحلامه،
وننتهي معه إلى قصيدة “هجائية” التي يرى الناس فيها من شرفته:
منشغلين بأسباب الرزق ككل الناس
ومساء يقرأهم من شرفته
(لا ساس ولا راس)
مخمورين وقوادين
و(ضرِّيبةَ أمواس).
بقلم : عمر شبانة
قم بتسجيل الدخول اولا للتمكن من التعليق على المقال