عباس بيضون في غيبوبته

اضيف بتاريخ : Jul 29, 2010

الكاتب : المشرف العام

عندما يفيق عباس بيضون من غيبوبة الألم، سيطلق نكتة من تلك التي تسري على لسانه كما البداهة. سيصف نفسه عندما طار على الأوتستراد ليلاً وحط في المستشفى. سيكتب كتابا، مجلدا، الياذة من تلك التي يكرج فيها قلمه دون تعب وكد. لو أراد عباس وصف الهواء وهو يعبر على قميصه، لتفتقت أفكاره كطيور حبيسة تنتظر الانطلاق .

هاتفني هاشم شفيق عن الحادث، فحضرت بيروت، توقف الهواء لحظات في رئتها،،ارتجت صورتها أمامي، وتبعثرت صباحاتها. منذ زمن طويل لم التق عباس، ولكنني كنت أراه دائما في هذا المطرح من مدينته، هو حاضر فيها مثل شوارعها وبحرها. مثقف المدينة التي تكتمل ملامحها به، وتستوي ثقافتها بوجوده، بديناميته التي تذكرنا بما قاله سارتر عن فضول المثقفين، فهم يتدخلون في كل القضايا حتى تلك التي لا تعنيهم. والحق أن عباس الذي يهزأ من كل التزام في حياة الكاتب والفنان، كان مرهفاً في التقاط ذبذبات المشاعر التي تعبر هواء الناس، حساسية العدالة التي ما كف يوماً عن تلمسها في صوته المميز، شجاعة الإبداع على أن يمضي في ملاحقة كل الفجاجات والشر والطمع دون خوف من المجابهة.

في محترفه الصغير الذي تتكركب فيها الأوراق والكتب والغبار ورطوبة الجدران وفناجين القهوة والشاي وأزيز التلفزيون، يدوّن عباس في ثقافة "السفير" تاريخاً للثقافة واللغة والفكر في زاوية تبدو عفو الخاطر، ولا تكلفه سوى وقت قصير، ولكن الكثير من الناس مثلي ينتظرونها، مدركين انها تُغني عن مجلدات العاطلين عن الابتكار.

هذا الغضب الذي يشعل قصيدته دون أن يحرقها، دون ان يجعل منها بياناً لفظياً، هذا اليأس الذي أطل فيه على مشارف مدينته "صور" ليرثي فيها الجمال الذي تحول قبحا، كل تلك الانتباهات الصغيرة التي توحد السخط بالمحبة بالتوق، كل ذلك البهاء الذي طلعت فيه القصائد من شعور قاتم باليأس والخذلان،كلها تبدو فعل مواجهة مع الموت، الموت الذي لا يخافه عباس، حتى وهو يضعه عنوانا لديوان " الموت يأخذ مقاساتنا".

لم أغبط كاتبا على موضوع، مثلما حسدت «عباس» مرات وهو يكتب عن العراق،ويوم كنا نسير في موج الثقافة العربية العاتي، لم نجد صوتاً يقف مع قضية العراق، مثلما كان صوت عباس.وكلما شعرنا بالاستيحاش والغربة بين المثقفين العرب، كان عباس يرسل تلويحة على مبعدة،دون أن ينتبه انها موجهة إلينا أو لغيرنا، فعباس لا يحتكم إلى أحد في ضميره، ولا يجامل حتى المنبر الذي يكتب فيه.

سأنتهز فرصة غيبوبته كي أتذكر خصاله، فهو في صحوه يرتبك من كلمة مديح تقال بحقه، بل سيجد بنفسه القدرة على تحويلها الى مزحة، وسيبني عليها توقيعاته الساخرة مثل من يمشي على منحدر. ولا مرة اصغيت الى عباس دون أن تصرفني عن أفكاره حركات يديه المتسارعة نحو شاربه، وجلسته المتململة، وعيناه التي يزمهما ويفتحهما كمن يجاهد كي يمنع عنه ارتباكا.ولكنه وهو الذي تركض الكلمات مهرولة بين شفتيه،لا يغفل لحظة عنها،فهو محترف فكر شفاهي يعرف كي يسوق قطعان قراءاته الى مراعي الذكاء الوقاد والنباهة والدقة الرهيفة.ربما كانت هذه مشكلته،فالمسافة لديه جد قصيرة بين الفكرة وإعادة تمثلها وإبداعها. انها تأتيه من حافظة نادرة،حافظة الاجداد ربما، فهو من بيت علم. ولطالما كان النسيان أحد اسلحته كي يحصّن نفسه من الخارج، فالطريق الذي يضيع، والحاجيات التي تسقط من يديه، وملابسه التي يهمل هندامها، والناس الذين يهرب منهم ويذهب اليهم،كل تلك الأفعال التي يترجمها بلا مبالاة لا تغفلها العين، هي الوجه الثاني لعباس الذي يسكن في مطرح آخر، مطرح المفكر الذي لم يقيض له تلخيص أفكاره في كتب، وبعثرها بين الشعر وطاولة الصحافة.

في العمر مزيد من الوقت، وسيرجع عباس إلى هذا المكان الذي يشبهه،الى بيروت التي تضمر جمال روحه وبهجتها، ارتباك أوقاتها وتشتتها، عدمية مصائرها وشجاعتها في مجابهة الرثاثة والخواء.

لم يهرب عباس يوما من المواجهة، وما كانت أفكاره وتأملاته عائمة في مجرات اللغة وتهويمات المثقفين،فهو حاضر في قلب الوقائع،فعندما تكفهر سماء لبنان، وتقرع طبول حربها،تصبح لأفكاره رهافة الوتر المشدود، حدة البصيرة والشعور المكثف بالخطر.ما كف يوماً عن أن يملك استشعارات المثقف النقدي، المثقف الذي يرى عيوب أهله قبل أن يرى عيوب الآخرين،عيوب بلده قبل ان يتغنى به.ما أعمته حمية قبلية، أو اطاحت بأفكاره مخاطر الذهاب بعيدا في كشف العطوب الطائفية، وعطوب الطائفة التي خرج منها قبل غيرها. في بلد تتحرك كل مفاصله على وقع المصائب الطوائفية والفئوية، كان عباس يعرف مكانه، مثقفا عربياً يجاهر من زاويته الصغيرة التي يكتب منها دون بهرجة الأضواء والامتيازات. يذرع شوارع مدينته مشياً، ويذهب الى جنوبه حيث الأهل يقفون في عين العاصفة. وعندما دكت اسرائيل الضاحية الجنوبية، بكى عباس ندم الترفع عن الأماكن التي ينتمي اليها.هو مع الضعف، ولم تطربه انتصارات الأقوياء وطبول حروبهم المقدسة.

في ممر الردهة التي يرقد فيها عباس، يجتمع المثقفون كل يوم، اولئك الذين اتفق او اختلف معهم، اتفقوا بينهم أم اختلفوا، فهم ينتظرون مثقف المدينة التي ترقب عودة ابنها اليها،عودة الكلمة التي تقف في مكانها، حتى وإن تبعثرت وانبعجت وفقدت هندامها، فهي تبقى ساطعة ومشرقة مثل شمس بيروت.


بقلم : فاطمة المحسن

 

قم بتسجيل الدخول اولا للتمكن من التعليق على المقال