|
الأسطورة: فرضت نفسها وفر إليها الشعراء محمد عفيفي مطر يكتشف أساطيره في "قصائد من الخرافة الشعبية"
اضيف بتاريخ : Dec 4, 2009
الكاتب :
الأسطورة تمثل قاسما مشتركا في أعمال شعراء السبعينيات، كما كانت هناك محاولات عديدة لاستلهامها بأشكال متعددة في أشعار السياب وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبدالمعطي حجازي ومحمد عفيفي مطر، وفي كل الأحوال كانت لكل شاعر طريقته الخاصة في التعامل مع الأسطورة، سواء من حيث التناول أو الوظيفة وكانت خاضعة في كل الأحوال لبيئة الشاعر وثقافته ومصادر معرفته الخاصة، حتى أننا نجد في بعض الأحيان أساطير شرقية وأخرى غربية تقتحم النص وتتشابك معه، بل هناك أساطير من نسيج خيال الشعراء تتضح غالباً في سياق النص. في بحثه الذي يأخذ عنوان "لغة الحلم والأسطورة في شعر السبعينات" يذكر د.شاكر عبدالحميد أن الأساطير هي "فلسفة المرء في الحياة"، فالعقل الأسطوري يسعى من أجل الوصول إلى رؤية شاملة للعالم هي الأمثال، والأحلام، والطقوس والحكايات والمعتقدات الخاصة لبشر في محيط زماني ومكاني ما فلكل ثقافة إنسانية أساطيرها الخاصة بها. ويربط بين تعلق الأساطير برؤية خاصة للإنسان حول الوجود، ومشكلاته الواقعية التي تضغط على عقله ووجدانه، وقد كانت الأساطير تتعلق في الماضي بتلك الآراء والمعتقدات التي كونها الإنسان عن الوجود والحياة بكل ما فيهما من عمليات خاصة بصيد الحيوانات، والأسماك، والزراعة، والميلاد، والزواج، وكل ما له قيمة في حياته. في العصر الحديث استمرت الأساطير قائمة أيضا، وإن أخذت أشكالا جديدة كما استمر الإنسان يعبر عنها من خلال أشكال الفنون المختلفة، ويضيف د.عبدالحميد أنه من بين الأشكال الأدبية التي تستفيد من الأساطير نجد ما يسمي الشعر الأسطوري، وهذا الشعر ليس مجرد محاولة لتفسير الأمور التي تحير العقل أو تجعله مضطربا، كما أنه ليس مجرد شكل من أشكال التسلية، ففي الشعر العربي الحديث محاولات عديدة لاستلهام الأساطير. الشاعر محمد عفيفي مطر يكشف عن المخزون النفسي للجماعة ويخرجه إلى الوعي، ويكشف أيضاً عن معتقدات واحتفالات، وأعراف، وقصص شعبية وأساطير حية، وقد تجسد ما سبق في ديوانه "قصائد من الخرافة الشعبية". تدور الأرض تحت حبائل القمر وفي النهدين فاحت زهرة الخشخاش وفي العينين أشرعة خلال الصمت والمجهول تبتعد يمرغ وجهه ويشم بين جدائل الشعر حدائقها الإلهية يلامس كأسها فتدب فيه شرارة خضراء إنها خبرات الحواس عن الحياة اليومية من دون أن يطلق أحكاماً كما يقول الناقد رمضان بسطاويسي في قراءته النقدية لشعر مطر. الأرض والحلم أيضاً الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش فقد كان معنيا بالتقاط التفاصيل الخاصة المشتقة من جذور ضاربة في أرضه واستحضار العادات والأعراف التي تكرس لخصوصية الإنسان العربي في أرضه، وأسطورته الحية. مطر ناعم في خريف بعيد والعصافير زرقاء زرقاء. لا تقولي: أنا غيمة في المطار فأنا لا أريد من بلادي التي سقطت من زجاج القطار غير منديل أمي وأسباب موت جديد. إنها لغة الحكاية، فالجرح غائر، إن درويش يقبض على أسطورته خوفاً من السقوط النهائي، إنه "البحث عن أسباب موت جديدة" المعادل لمنطق الأسطورة في البحث عن سر العالم. الشاعر "محمد سليمان" وهو من شعراء السبعينيات يقول في قصيدة "أحاديث جانبية". يقولون كان نبيا يقولون صار كتاباً يقولون دس الأهلة في وجهه وتدلى تدثر بحر بأثوابه فتوسل بالحلم. إن لغة القصيدة تفتح أمامنا مباشرة آفاق عوالم موغلة في القدم، كما يقول د.شاكر عبدالحميد، ودائمة التحول مما يقربنا من عوالم الأسطورة، لقد حاولنا استحضار نماذج من الشعر الأسطوري من أجيال مختلفة ولكن تبقى هناك نماذج كثيرة في شعرنا العربي تحتاج منا إلى مجلدات كاملة لتقديمها. الأسطورة والقناع وفي استخدام الأسطورة كمظهر إيجابي، حاول الشاعر الكبير عبدالوهاب البياتي أن يوفق بين ما يموت، وما لا يموت بين الماضي، وتجاوز الحاضر حيث تطلب ذلك منه معاناة طويلة في البحث عن الأقنعة الفنية، ولقد وجد هذه الأقنعة في الرمز، والتاريخ، والأسطورة. صلاح عبدالصبور حدد استخدام الأسطورة لدى الشعراء العرب حيث كان اكتشافهم لعالم الأساطير الغني إثر قراءة بعضهم نماذج من الشعر الأوروبي الحديث "فدأبوا على محاكاتها"، ويظن الشاعر أن هذا المنهج ناقص، إذ إن الدفع إلى استعمال الأسطورة في الشعر ليس هو مجرد معرفتها، ولكن محاولة إعطاء القصيدة عمقاً أكثر من عمق الظاهر، ونقل التجربة من مستواها الشخصي الذاتي إلى مستوى إنساني جوهري، أو هو بالأحرى حفر القصيدة في التاريخ، وبهذا المعنى من حقنا ألا نستعمل الأسطورة فحسب بل كل المادة التاريخية المتاحة لنا من الأسطورة وقصص دينية وشعبية، وأحداث حقيقية مؤثرة في حياة الإنسان. ويرى بعض النقاد أن حركة الشعر الحديث في استخدامها الأسطورة كانت تعبيراً حضارياً شاملاً عن الاحتياجات الروحية، والجمالية العميقة الجذور في النفس العربية المعاصرة، وهي محاولة قد تأثرت بلا ريب جهود شعراء الغرب، ولكنها لم تتوقف قط عند أعتابهم، بل أدركت أن التكوين التاريخي للإنسان العربي أكثر استعدادا لاجترار تراثه الأسطوري الذي سبقنا الغرب إلى الإفادة منه. وهناك أسباب عديدة ساقها الشعراء والنقاد، والباحثون عن الغاية من استخدام الأساطير، وتبلورت حول مرتكزات فنية، مثل رغبة الشاعر في الخروج من الذاتية الغنائية، والدخول إلى دائرة الأعمال الموضوعية التي لها وجود مستقل، كما ذكر الشاعر الراحل د. أنس داود في تلخيصه لهذه الغاية في رسالته عن: الأسطورة في الشعر الحديث، و كذلك الاقتصاد في لغة الشعر بتركيز وتكثيف الدلالة، بالإضافة إلى أن الأسطورة رؤية جمالية تعتمد على الصورة الشعرية التي تحاول رصد التاريخ والرمز الأسطوري، لكن بعض الشعراء لجأ إلى الأسطورة كمجرد استعراض معرفي، وثقافي لنص الأسطورة بحيث بات استخدامها ترفاً شكلياً ظنا منهم أن المتلقي للخطاب الشعري سيعطي القصيدة قيمة فكرية وجمالية، كلما امتلأت القصيدة بأسماء الشخصيات الأسطورية، وهذا المأزق وقع فيه بعض الشعراء، والآخر مازال يغامر في محاولة لمس جوهر التوظيف الأسطوري في القصيدة.
|
قم بتسجيل الدخول اولا للتمكن من التعليق على المقال