وحد بي الكون فأجفانه ** تلبس أجفاني
وحد بي الكون بحريتي ** فأينا يبتكر الثاني
أدونيس
سوف يظل شعراء الصوفية الذين خرجوا من رحم الإبداع العربي الحقيقي رمزا خالدا بفضل عطائهم الدءوب والمتأصل في الذات والوجود بفلسفة قوامها الوعي كمرادف اجتماعي يكشف لنا عن الكثير من قضايانا السياسية والاقتصادية والروحية والفكرية والثورية بمنهجية أهل التفكير لا الدراويش والمجاذيب ومن رواد الصوفية الكبار الذين كتبوا رسالة كل الأجيال بحروف من نور وفيها متعة للبحث والتنقيب الذي يدفعنا للتساؤل؟
من هم ولمن كانوا يعيشون؟!
رغم كل نداءات ومتاع الدنيا التي لم يسلم من شهواتها الكثير والكثير حكاما ومحكومين بتعاقب الزمن والعقود، نجد من بين هؤلاء المبدعين الذين ارتدوا ثوب الصوفية وهم الكبار في كل العصور الحلاج، ابن عربي، ابن الفارض، رابعة العدوية، وغيرهم، لتصحيح مسار عالمنا الاجتماعي بمنطق لا يعترف بغير الولاء للوطن واللجوء للحكمة عند اشتداد الأزمات ونبذ الفتن والمؤامرات والحروب فكانت دعوتهم السلام وحب البشر والعمل البناء والأخذ بأساليب العصر تطورا فعليا لا نقلا وهذا ما نبحث عنه في زماننا العولمي، لكي نري جيلا وأجيالا بلا عقد، ونعول عليها الكثير بعد ثورة 25 يناير المجيدة، والتي جاءت من رحم شعراء الصوفية الذين لم يغادروا ميدان التحرير طوال 18 يوما حتى سقط النظام البائد وهم يعزفون علي أوتارنا بشعر صوفي عذب النغمات رغم سقوط العديد من الشهداء والجرحى والمفقودين، كما عزفه من قبل دعاة الإبداع والخروج من ظلمات الأفكار المريضة.
وليس غريبا علينا أن يعبر شاعرنا المعاصر عن تجربته الذاتية من خلال أصوات صوفية تبعث على المضي نحو طريق فيه كل النداءات الملهمة لعالم آخر، ونضرب هنا مثلا بالشاعر الكبير أدونيس، وهو يفسر لنا سر ارتباطه بالموروث الصوفي كواقع مرئي في سطوره، وهو يؤكد في رسالته بقوله ما يلي "لئن كان الإبداع لدى أسلافنا لا يتجاوز الحدود الإنسانية الواقعية، فهو اليوم يقودنا إلى عوالم ثانية إلى الممكن، وما وراءه خارج الحياة اليومية في مناجاة الأحلام والأفراح والحسرات والمشاعر والرؤى الفارقة في قرارة الروح، وهذا ما يفسر اتصالي بالصوفية النسم المبثوث في العالم، حيث التجربة انبثاق كوني، طوفان يغسل الواقع ويشيع الحياة والحلم في المادة، فتصرخ الأشياء وتتآخي. هكذا تؤلف الرؤيا الشعرية بين الأطراف وترد الكثرة إلى الوحدة فتتمازج أشياء العالم ويتوحد أي شئ مع أي شئ".
ولقد كان شعر أدونيس حقيقة في مجمله تعبيرا عن هذا النزوع إلى الاتحاد الحميم بكل مظاهر وزخرف الكون.
وحد بي الكون فأجفانه ** تلبس أجفاني
وحد بي الكون بحريتي ** فأينا يبتكر الثاني
كما لم يكن شاعرنا أدونيس هو الذي انخرط في الصوفية شعرا، بل نجد الشاعر صلاح عبدالصبور هو الآخر الذي جذبته وانعكس ذلك على شعره، وهذا يبدو جليا في قصيدته "أغنية ولاء" التي يصور فيها رحلته في سبيل الشعر مستغلا الجو الصوفي ومفردات الرحلة الصوفية في سبيل الوصول للحقيقة التي يؤمن بها، فالشعر في القصيدة هو محبوب الشاعر الذي يتبتل إليه ويطهر ذاته ليستطيع الوصول إليه فهو يناجي الشعر في ضراعة صوفية شفافة.
خرجت لك
علي أوافي محملك
كمثلما ولدت غير شملة الإحرام وقد خرجت لك
(ومن أراد أن يعيش فليمت شهيد عشق
معذبي يا أيها الحبيب
أليس لي في المجلس الذي حبوه التبيع
فإنني مطيع
وخادم سميع
فإن أذنت إنني النديم بالأسمار.. الخ
ومن بين الشعرا ء الذين جذبتهم الصوفية في قصائدهم، الشاعر بشر فارس الذي استغل معطيات التراث الصوفي في الإيحاء ببعض المعاني المبهمة التي تنم عن متناول الحس، وقد ساعده على ذلك أن تجربته في استبطان المحسوس تشبه في مثاليتها وما تقتضيه من مكابدة فلسفة التجربة الصوفية لديه، وهذا ما نراه في قصيدته المعنونة "إلى فتاة" كنموذج لهذا المزج الفني بين الجانبين، فهي محاولة للوصول إلى وراء المحسوس بوسائل المتصوفة.
بصريني يا وضوح ** ثورة القطب الخطير
أنا في وهج الفتوح ** يقظ لكن حسير
خف بي كشف طموح ** وكبا فهم كسير
فوضوح رمز الروح الهادية إلى عالم المجردات المحضة والقطب والفتوح والكشف رموز يستغل الشاعر ما فيها من إشعاعات صوفية للإيحاء بجو يشبه ما يعانيه المتصوف من شوق إلى الوصول وعجز عن الإدراك العقلي الواضح لما من شأنه الغموض وما يكتفي فيه باللمحة المبهمة عن الشرح والتقرير، ويعد لا مراء الشاعر بشر الفارس أحد رواد الرمزية الصوفية بلا منازع مثل كثيرين من شعراء الصوفية، لم يستخدموا من التراث الصوفي سوى المعجم والجو الصوفي العالم، أما استعارة شخصيات من التراث الصوفي للتعبير من خلالها عن بعض جوانب تجربة شاعرنا المعاصر، فذلك أمر لم يشع في شعرنا العربي إلا مع مطلع الستينيات من القرن العشريني المنصرف.
لكن ما نود البحث والتنقيب عنه هو الوصول إلى مرادفات صوفية في شعرنا العربي بعد أحداث ثورة 25 يناير وما يعقبها من متغيرات كيفية ونوعية في الفكر والإبداع الذي يقوم على أسس تكمن في خلق القصيدة الملهمة للعامة وليست للخاصة أو النخبة المثقفة التي تستوعب كثيرا من الفلسفات المبنية علي فلسفة ومنطق وهذا هو ما يجب البحث والتنقيب عنه وخاصة أن ميدان التحرير كان محركا للعقول والقلوب معا من خلال رسالة الشاعر الشعبي والفطري الذي تحمل عناء البرد والجوع والصبر علي تحقيق هدفه وهدف شعب يسعى لفك كل القصائد التي لم تكن صوفية في أدنى صورها بل كانت مفككة من الوزن والمعني كأنها ترقص على قدم واحدة؟ وهذا سر سقطوط نظام هرم لم يستوعب فن القصيدة التي تحقق تواصله مع الآخر فسقطوا دون رجعة وبقي الشعر رسالة والشعراء عليهم دور لن ينتهي حتى نستعيد عافية الإبداع العربي في كل مؤسسات عواصمنا العربية لأن ثورة 25 يناير المصرية لم تكن ثورتنا بل كانت ثورة ملهمة لكل ما هو عربي يكتب القصيدة بلسان فصيح، وهذا ما بلوره برؤيته الشاعر العراقي الكبير عبدالوهاب البياتي في قصائد بعنوان "عذاب الحلاج". والربط بين محنة الحلاج الصوفي الكبير والسيد المسيح في الموروث المسيحي ونجده يستعير بعضا من ملامح المسيح للحلاج فهو حين يصور مطاردة قوى البغي له ولأتباعه ولأفكاره يستغل ملمحا من ملامح المسيح، وهو العشاء الأخير الذي تناوله المسيح مع تلاميذه وحواريه قبل القبض عليه، فيقول في قصيدته:
والنار أصبحت رمادا هامدا .. من أين لي يا مغلق الأبواب
والعقم واليباب
مائدتي .. عشائي الأخير في وليمة الحياة
وهو أخيرا يعطي حادث صلب الحلاج نفس الدلالة التي أخذها صلب المسيح في شعرنا المعاصر وهي البعث من خلال الموت وميلاد الحياة الجديدة من أشلائه:
أوصال جسمي أصبحت سماد
في غابة الرماد
ستكبر الغابة يا معانقي
وعاشقي
ستكبر الأشجار
أما الجانب الآخر والمهم، وهو البعد السياسي لمحنة الحلاج، فهو أشد وضوحا لدى البياتي، بل أنه المحور الأساسي الذي تدور حوله القصيدة كلها، فهو يتكلم باسم الفقراء الذين منحوه الأسمال التي يلبسها، وهذه الأقوال التي يتفوه بها وهو في مشهد "محاكمة الحلاج" ويلخص سبب محاكمته البياتي في كلمتين:
بحت بكلمتين للسلطان
قلت له جبان
أما مسرحية "مأساة الحلاج" للشاعر صلاح عبدالصبور فحملت تلك الإرهاصات الصوفية في سطورها التي خاطبت الوجدان من خلال صورة فيها كل مشاهد الحلاج الداخلية التي تنم عن شعوره بالظلم البين:
إلي إلي ياغرباء .. يا فقراء .. يا مرضي
كسيري القلب والأعضاء قد أنزلت مائدتي إلي إلي
لنطعم كسرة من خبز مولانا وسيدنا
إلي إلي أهديكم إلى ربي
أما البعد السياسي لمحنة الحلاج فهو بدوره واحد من المحاور الأساسية للمسرحية حيث حاول الشاعر صلاح عبدالصبور في المسرحية أن يصور من خلال الحلاج موقف صاحب الكلمة من المجتمع ومن السلطة أو على حد ما يقول الشاعر. ألقت المسرحية دور الفنان في المجتمع وكانت إجابة الحلاج هي أن يتكلم ويموت كان عذاب الحلاج طرحا لعذاب المفكرين في معظم المجتمعات الحديثة وحيرتهم بين السيف والكلمة بعد أن يرفضوا أن يكون خلاصهم الشخصي بطرح العديد من المشكلات الكونية والإنسانية على كواهلهم، وهنا لا بد من الإشادة بالدور الصوفي في مؤازرة العقل والنفس المتطلعة للتغيير كما حدث عندما خرجت الجموع الشعبية عن بكرة أبيها يوم 25 يناير، ومن قلب ميدان التحرير الصوفي أيضا مطالبة بالتغيير والعدالة الاجتماعية بعدما تحولت العقول الحاكمة إلى عقول جامدة لا حلم لها غير أن تمكث مائة عام في السلطة؟!
وما بين الحقيقة والحقيقة شواهد عندما نسترجع دور شعراء الصوفية عبر التاريخ ونحن نقرأ ألفيتنا الثالثة ونرصدها بعين لاترى غير الإبداع حرا وخاليا من من كل المحسنات الذليلة التي دفعنا ثمنها كثيرا حتى تاهت القصيدة العربية، ولم تعد تلقى قبولا رائجا من صناع كل قرار، وكنا وكانوا من قضية لم يحسموها من قبل أن التغيير لن يطرأ على القصيدة العربية بقبضة السلاح وكتبة التقارير المفبركة لإجهاض أي ثورة تنشد التغيير، فخرجوا من المعادلة وبقيت مصر حاضنة لأكبر ثورة شعبية عرفها التاريخ المعاصر في ظل وسائط تكنولوجية أبرزها الإنترنت والنقال والفضائيات التي مهدت لكسر كل القضبان الحديدية.
قم بتسجيل الدخول اولا للتمكن من التعليق على المقال